صالح عوض
قمة بريكس في جوهانسبورج في مواجهة صندوق النقد الدولي وسطوة الدولار عناوين النظام الاقتصادي العالمي المهيمن.. لقد اسقط هذا النظام دولا وأنهى إمبراطوريات و لقد أعطى نفسه صلاحيات التدخل في ثقافات الشعوب وتقاليدها ونظمها الاقتصادية والسياسية لتغييرها واستبدالها، وبهذا أصبح النموذج المعدل المطوّر للاستعمار التقليدي والأكثر فتكا، و عادت الشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ضحية جشع مسّيس تمارسه برامج الصندوق الدولي في تعامله مع الدول.. و في سياق سلسلة إجراءات متتالية متعددة فرضت حالات التبعية والسير وفق ما تشترطه التمويلات المالية من خطط تذهب بالدول الى التوتر والتخلف والاستعباد.
حاولت بعض الدول منفردة مواجهة هذا الغول، واعتقدت أنه بإمكانها التصدي للجبروت في أحد عناوينه فسقطت تحت آلة البلدوزر الرأسمالي ونصبت المشانق لقادتها او دسم السم لقادتها وتبخرت من على الخريطة، أو كتب عليها التخلف المستدام، ولهذا كان لابد من تفكير بعمل أكثر جدية وفاعلية وذلك من خلال جبهة اقتصادية عالمية ..فهل يكون اجتماع جوهانسبورج بداية فاعلة في مرحلة القادمة للتشكيل الاقتصادي الجديد؟ وأي المهمات يستطلعها؟ والى أي حد يستطيع اختراق الهيمنة الغربية؟
التحكم الرأسمالي في الاقتصاد العالمي:
لابد من تتبع الحكاية من اصولها حيث بدأ “ظهور” النظام الاقتصادي العالمي المعاصر فلقد تم الاتفاق على اعتماد الدولار كعملة رئيسية لتحديد أسعار العملات بموجب مبادرة من 44 دولة على ما يسمى اتفاقية “بريتون وودز” نسبة الى المدينة الأمريكية مدينة الاجتماع عام 1944، وكانت أونصة الذهب حينها ب35 دولارا، وأصبحت العديد من الدول تقوم بتثبيت سعر صرف عملتها مقابل الدولار.. وبعد تثبيت هذه الاتفاقية تم تأسيس “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي” ،حيث كانت العديد من الدول الأوروبية بحاجة لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية”. ومنذ تلك الأيام أصبح الدولار هو المهيمن أي منذ 80 سنة.. وقبل ذلك بنصف قرن تقريبا تم البدء في تهيئة الظروف في شتى دول العالم لتكون الكرة الارضية مزرعة للنظام الاقتصادي الجديد وكان لابد من اسقاط دول وامبراطوريات وتقسيم شعوب وبلدان وزرع الكيان الصهيوني.
فاجأ الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون سنة 1971 العالم بفك الارتباط بين الدولار بالذهب، بحجة أن احتياطي الولايات المتحدة من الذهب ينفد، ويأخذ الدولار سر قوته لكون الدول لا يمكنها التفاهم ماليا من دونها..ويكفي أن نعرف أن هناك 65 دولة تربط عملاتها المحلية بالدولار الأميركي بشكل مباشر.. ومن جهة أخرى رغم وجود 180 عملة في العالم الا ان معظمها محدود الانتشار ويظل الدولار المهيمن على النظام المالي العالمي والتجارة العالمية كما أنه سيد الموقع الاحتياطي للعملات في الدول المختلفة كما اشارت دراسة لصندوق النقد الدولي مؤخرا، فيما تشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن حصة الدولار بقيت أعلى من 50 في المائة من مجمل الاحتياطيات الأجنبية حول العالم.. كما أن نحو 70 إلى 80 من التبادلات التجارية تتم به، كما أنه ارتبط بالطاقة في بلداننا والانتاج المحلي الامريكي.. ويؤكد كثير من الباحثين أن”كل العملات الدولية لم تستطيع توفير البديل عن الدولار.
بسبب هيمنة الدولار تحقق الولايات المتحدة امتيازات عديدة، اولها العوائد عن طريق “شراء الديون الأميركية”، إذ تمتلك الصين مليارات الدولار من هذه الديون وكذلك إمكانية الاقتراض به، فهذا يعني أنه إذا خفضت الولايات المتحدة قيمة الدولار، فهذا يعني خفض قيمة ديونها، وهو احتمال يبقى قابلا للتطبيق .. وكما أنه يستخدم سلاحا لمعاقبة الدول كما تفعل الان ضد ايران وروسيا..
تبقي الدول على احتياطيات من العملات الأجنبية والتي يحتفظ بها البنك المركزي، والتي تمثل النقد الأجنبي لهذا البلد. ويعتبر صندوق النقد الدولي هو الهيئة المسئولة عن مراقبة النظام النقدي، وهو يحدد احتياطي العملات الأجنبية بتلك التي تكون بـ: الدولار الأميركي، والعملات الأخرى، فيما يشكل الدولار الأميركي 60 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية… ولعل ربط سعر النفط به هو من عوامل قوة الدولار إذ أن أسعار النفط و تحصيل فواتيرها يتم بالدولار. ويشير المحلل الاقتصادي المصري، وائل نحاس، ألى أن هيمنة الدولار “بعيدا عن جذوره التاريخية، ترتبط في عصرنا الحالي بالهيمنة على نظام المقاصة للتحويلات المالية سويفت، والذي يسيطر الدولار على 80 إلى 90 في المئة من تبادلاته المالية”.
الا ان هناك تحديات أمام استمرار هيمنة الدولار فمركز الأبحاث التابع للكونغرس الأميركي يشير في دراسة له إلى وجود 3 تحديات لاستمرار هيمنة الدولار أبرزها تصاعد الدور الصيني في الاقتصاد العالمي والتي تحاول تعزيز استخدام عملتها بشكل أوسع عما هي عليه، التحدي الثاني هو “العقوبات المالية الأميركية” والتي تدفع بعض الدول للبحث عن أنظمة أخرى لتقليل اعتمادها على الدولار. أما التحدي الثالث، فهو ظهور العملات الرقمية والتي أوجدت أسواقا خاصة. أما التهديد الأكبر فهو “التخلف عن السداد إذا لم يرفع الكونغرس سقف الدين، إذا ما ترافقت مع عدم وضع الديون على مسار مستدام طويل الأجل”..
بريكس بديل اقتصادي بمهمات متنوعة:
في مواجهة السبعة الكبار يتشكل كيان اقتصادي اخر، يعزز التعاون الاقتصادي بين أعضائه ورغم عدم التفاهم على وجهته السياسية.. ففي حين تسعى الصين وروسيا إلى تقليص الهيمنة الغربية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الاقتصاد العالمي، فأن هذا غير وارد في حسابات العديد من الاقتصادات التي ترغب في تعزيز الشراكات الدولية وتوسيع نطاق الأسواق، أما الجزائر فتسعى لأن تكون “بريكس” نواة لنظام دولي متعدد الأقطاب.
كما أنه من الواضح ان القدرات الإئتمانية لـ”بريكس” اخذة في التطور رغم ان السنوات السابقة لم تشهد قفزة كبيرة تجعل المنظمة الدولية الجديدة في موقع مكافيء للبنك الدولي وبحسب التقرير فإن انضمام عدد من الدول النفطية الى “بريكس” سيدعم القدرات الإئتمانية للتكتل وبخاصة بنك التنمية الجديد NDB الذي أسس برأس مال قدره 50 مليار دولار.. وقد قدم هذا البنك أكثر من 33 مليار دولار لمشاريع البنى التحتية والطاقة خلال سبع سنوات في حين خصص البنك الدولي نحو 104 مليارات دولار خلال عام 2022 وحده.
ولأن الدولار يسيطر على أكثر من 40 في المئة من المعاملات التجارية حول العالم فقد أدى ارتفاع قيمته إلى ارتفاع كلفة الاقتراض للعديد من الدول، حيث لم تتجاوز القروض التي منحها بنك التنمية المنبثق عن بريكس العام الماضي المليار دولار فقط. فبالنظر إلى المشاريع التي مولها بنك التنمية نجد أن أكثر من 60 في المئة منها كانت بالدولار في حين كانت حصة اليوان الصيني أقل من ذلك، لذا فإن الحديث عن تقليص هيمنة الدولار على أسواق “بريكس” أو طرح عملة جديدة لا يخدم كل الأعضاء.. وكذلك هي الحال مع الدول التي لديها علاقات جيدة مع مجموعة الدول السبع و.. وجنوب أفريقيا، لن تفرط في علاقاتها التجارية المميزة مع الولايات المتحدة، بخاصة وأنها تعتبر ثاني أكبر شريك لها بعد الصين.
وبالنظر لحجم اقتصادات “بريكس” البالغ 44 تريليون دولار والتي تشكل 17 في المئة من التجارة الدولية كما أن سكانها يشكلون 42 بالمائة من سكان العالم وهي تساهم بنحو 31.5 بالمائة من الاقتصاد العالمي فإن انضمام اقتصادات جديدة للمجموعة سيزيد من ثقلها الاقتصادي ومن حصتها في التجارة الدولية وقد يرفع من حجم التجارة البينية في المجموعة والذي لم يتجاوز 6 في المئة فقط.
و الخوف في الدوائر الغربية من نجاح دول “بريكس” في تنويع سلاسل الإمداد وازدياد التبادل التجاري بين أعضاء “بريكس” على حساب الاقتصادات الأخرى من خارج التكتل فإن ذلك سيعمق من حالة الانقسام و المواجهة، لاسيما ان توافق ذلك مع استخدام عملات جديدة متحررة من الارتباط بالدولار.. ان ذلك من شانه تحجيم دور صندوق النقد الدولي ومن فاعلية الدولار والبنك الدولي.
ومع التوقع أنه بارتفاع مساهمة “بريكس” في عام 2030 الى أكثر من 50 في المئة من مجمل الناتج المحلي للاقتصاد العالمي فإن ذلك سيعزز نفوذ أعضاء “بريكس” في المؤسسات الدولية ما قد يدفع الدول السبع لاتخاذ مواقف أقل تشدداً.. ومن غير المعروف ماهي الخطط والسيناريوهات التي ستنهجها المؤسسات المالية الامريكية لتخفيف حدة المواجهة أو لتحقيق انتصارات معينة ضد نهج البريكس.
ويأتي ظهور البريكس في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي حالات من التضخم والعجز لاسيما في اوربا التي تجد نفسها مرهقة بفعل الجائحة ثم الحرب الاوكرانية فلاسباب عديدة أعلنت شركات في أوروبا عديدة في شتى القطاعات إفلاسها، وقد أجبرت على الإغلاق. وأظهر تقرير حديث أن إنشاء الأعمال الجديدة في أوروبا يتباطأ، إذ إن الدعم المستمر من الإدارة الأميركية للتكنولوجيا الخضراء يعمل على جذب الاستثمارات وخروجها من القارة العجوز.
كما تعرضت أوروبا الشرقية ودول البلطيق للاضطراب الاقتصادي في أعقاب الهجوم الروسي على أوكرانيا، ما أدى إلى تصدر قائمة إيداعات الإفلاس في الربع الثاني من العام الحالي، إذ سجلت المجر أكبر زيادة في أوروبا بحالات إفلاس الشركات، بنسبة 41 في المئة تقريباً.
امريكا والبريكس؟
يراقب صانعو السياسات الامريكان هذا التحالف الاقتصادي بنظرة جيوسياسية، لأن المجموعة تسعى إلى التوسع بضم عدد من الأعضاء الجدد المرشحين والذين وصل عددهم إلى 24 دولة.
لقد اصبحت المجموعة رمزا للأمل الاقتصادي لدول الجنوب العالمي والتفاؤل للبلدان النامية، إلا أن هذا التحالف الاقتصادي، وهو يتطور بثبات إلى تحالف جيوسياسي إلى حد كبير يهدف إلى دفع أجندة ونهج للشؤون العالمية يختلف عن مجموعة “السبع” التي يهيمن عليها الغرب، ولقد كان موقف البريكس بعد ازمة اوكرانيا واضح بان هناك تحرر من سطوة القرار الامريكي حيث رفصت فرض عقوبات على روسيا. فهذه الدول تسير نحو الترابط حول مصالح التنمية المشتركة والسعي إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، رغم ذلك الا ان المجموعة تحولت إلى قوة تفاوض قوية تتحدى الآن أهداف واشنطن الجيوسياسية والاقتصادية.
ورغم ان دول بريكس امتنعت صراحة عن الخطاب المناهض للولايات المتحدة، مؤكدة ان التعاون بين هذه الدول يجب ألا يكون موجهاً ضد طرف ثالث، الا ان الكيان الجديد قد استكمل جهوده نحو التعددية القطبية.. وصحيح ان بريكس ليست منتدى للإيديولوجيات غير أنه مع مرور السنين أصبحت مجموعة هائلة من جهة الناتج المحلي الإجمالي والتجارة العالمية ولهذا أصبحت في موقع المساومة المقتدر، فقد ضمن شركاء موسكو في “بريكس” اسقاط المحاولات الغربية لعزلها دولياً، كما أصبح بعض الأعضاء أسواق تصدير مهمة لموسكو.
يتم الحديث الان عن استخدام العملات المحلية بين دول البريكس او الاتفاق على عملة موحدة والامر لا يتوقف على دول البريكس بل ان هناك مؤسسات اقليمية اخرى بدأت تتنادى للتعامل بالعملات المحلية يأتي هذا في ظل حراكات سياسية للقضاء على الفرنك الفرنسي في دول غرب افريقيا..
بمعنى أن صندوق النقد الدولي والدولار يواجهان معركة حقيقية لتحييدهما بمسافة كبيرة عن الفعل والتأثير الأمر الذي لن تقابله أمريكا بالحياد ولكن ليس بالضرورة بالمواجهة العنفية في البداية فقد تطرح الولايات المتحدة سيناريوهات عديدة منها تفجير البريكس داخليا، وقد تعزز علاقاتها بأعضاء في البريكس وتقدم رشى ضخمة لبعض أعضائه او لتكتلات إقليمية أخرى لمواجهة تمدد البريكس.
ومن الواضح أن الصين وروسيا تفاهما على مبادئ إستراتيجية وتعاون استراتيجي ومثل البريكس غطاء اقتصاديا وسياسيا الى حد ما للروس الذين كان يمكن ان يتم عزلهم دوليا.. كما أنه يمثل سوقا ضخما للمنتوج الصيني وفق رؤية صينية سبق الإعلان عنها ” طريق الحرير”
هل يسلم صناع القرار الدولي والحكام الفعليين في الحكومة السرية على انتزاع الصلاحية من أيديهم؟ إنهم ينشئون الحروب والأوبئة ويدفعون بالعالم في حروب مجنونة فهل يمكن تصور تحرر العالم من قبضة الدولار وصندوق النقد الدولي وسياساتهما الثقافية والاجتماعية؟ هل ينتهي مخطط المليار الذهبي؟ هل تنتهي عمليات تدمير الأسرة؟ هل يتلاشى مناخ الاستعمار وتنتهي المواقع العنصرية فيه؟ كل ذلك سيترتب على مستقبل البريكس.

